إدارة وتنظيم9 دقائق قراءة

لماذا لا يكفي توظيف المزيد من الأشخاص لتحقيق النمو؟

عبدالله العضيبي1 مارس 202619 مشاهدة

ورقة بيضاء قيادية حول الانتقال من الفوضى إلى منظمة تعتمد على الأنظمة. تكشف لماذا يكون توظيف المزيد من الأشخاص في أغلب الأحيان عكس التوقعات، وكيف يمكن بناء نظام تشغيل مؤسسي يُمكّن النمو المستدام.

المقدمة: الفخ الخفي للنمو

في رحلة نمو أي شركة، تأتي لحظة تبدو فيها الإجابة على كل التحديات واضحة ومنطقية: "نحن بحاجة إلى المزيد من الأشخاص". لكن ما يحدث في الواقع غالباً ما يكون عكس التوقعات. بدلاً من أن تهدأ العاصفة، تزداد الفوضى، تنخفض الإنتاجية، ويرحل أفضل الموظفين.

هذه الورقة تُجادل بأن هذه الظاهرة ليست فشلاً في الأفراد، بل هي عرض لفشل أعمق: غياب "نظام تشغيل مؤسسي" (Business Operating System) مُصمَّم للنمو. بالاعتماد على نظريات إدارية راسخة من مفكرين مثل فريد بروكس وجيم كولينز وميك جيربر، إضافةً إلى أطر عملية كـ Traction وScaling Up، نُقدّم تشخيصاً دقيقاً للمشكلة ودليلاً عملياً لبناء منظمة لا تعتمد على الأفراد بل على الأنظمة، مما يضع الأساس لنمو مستدام وقابل للتطوير.


أولاً: التشخيص — عندما يصبح النمو إنتاجية للفوضى

أعراض الخطأ: كيف تعرف أنك في الفخ؟

الأعراض التي تظهر في الشركات التي تنمو بشكل فوضوي ليست مصادفات، بل هي مؤشرات واضحة على وجود مشكلة هيكلية عميقة. يمكن تلخيص هذه الأعراض في الجدول التالي:

الضرعما تشعر به كقائد للشركة
ازدياد الفوضى مع كل فيظوف جديد"كنت أعتقد أن فيظيفاً سيحل المشكلة، لكنه زادها تعقيداً"
أنت عنق الزجاجة"لا يمكن اتخاذ أي قرار بدوني، وكل شيء أصبح ينتظر موافقتي"
انخفاض الإنتاجية"لدينا عدد أكبر من الموظفين الآن، لكننا ننجز أقل من السابق"
تضارب الأدوار والمسؤوليات"لا أحد يعرف بالضبط من المسؤول عن ماذا، والجميع يُلقي باللوم على الآخر"
رحيل الكفاءات الجيدة"أفضل من كان لديّ استقال، وقال إن الأمور لم تعد واضحة كما كانت"

إذا وجدت نفسك في هذه القائمة، فالمشكلة ليست في الأشخاص الذين وظّفتهم، بل في النظام الذي وضعتهم فيه.

الأساس النظري للفوضى: قانون بروكس وحدود التنسيق البشري

في عام 1975، صاغ فريد بروكس في كتابه الكلاسيكي The Mythical Man-Month ما أصبح يُعرف بـ"قانون بروكس":

"إضافة القوى العاملة إلى مشروع برمجي متأخر يجعله أكثر تأخيراً."

السبب، كما أوضح بروكس بدقة رياضية، هو أن عدد قنوات الاتصال المحتملة في فريق يساوي n(n-1)/2، حيث n هو عدد الأعضاء. فريق من 5 أشخاص يمتلك 10 قنوات اتصال، لكن فريقاً من 10 أشخاص يمتلك 45 قناة. هذا التضاعف الأسي في تكاليف التنسيق يُفسّر لماذا يتباطأ الجميع عندما يكبر الفريق.

المبدأ هذا لا يقتصر على هندسة البرمجيات، بل ينطبق على أي عمل معرفي وتنظيمي. يُضيف إلى هذا الإطار النظري عالم الأنثروبولوجيا التطوري روبن دنبار، الذي أثبت في أبحاثه أن القدرة المعرفية البشرية تحدّ من عدد العلاقات الاجتماعية المستقرة التي يمكن للفرد الحفاظ عليها، وقد حدد هذا المقدار بحوالي 150 علاقة. عندما يتجاوز الفريق هذا الحد، تنهار شبكة التواصل غير الرسمية، وتبدأ المشاكل في الظهور.

الدليل الإحصائي: التوسع المبكر كقاتل للشركات الناشئة

لا تقتصر هذه المشكلة على الشركات الكبيرة. وجد تقرير Startup Genome الذي حلّل بيانات أكثر من 3200 شركة ناشئة ذات نمو مرتفع أن 74% منها تفشل بسبب "التوسع المبكر"، أي النمو في الأفراد والعمليات قبل بناء هياكل وأنظمة داعمة. والأكثر إثارة للاهتمام أن الشركات التي توسعت بشكل صحيح نمت بمعدل أسرع 20 مرة من نظيراتها التي توسعت مبكراً. هذه الأرقام تكشف أن الإفراط في التوظيف ليس مجرد إهدار للموارد، بل هو أحد أكثر أسباب فشل الشركات شيوعاً.

"النمو يختبر نظامك، لا يختبر فريقك."


ثانياً: الحل — بناء "نظام التشغيل المؤسسي"

ما هو نظام التشغيل المؤسسي؟

تخيّل أنك تحاول تشغيل أحدث البرامج على حاسوب قديم بنظام تشغيل من التسعينيات. مهما كانت البرامج قوية، ستتعطل باستمرار لأن النظام الأساسي غير مُصمَّم للتعامل معها. هذا بالضبط ما يحدث في شركتك. عندما كانت الشركة صغيرة، كانت تعمل بـ"نظام تشغيل" غير رسمي يعتمد على التواصل المباشر بين المؤسسين وعدد قليل من الموظفين. لكن هذا النظام الابتدائي ينهار تماماً عندما يتجاوز عدد الموظفين حداً معيناً.

الحل ليس التوقف عن التوظيف، بل التوقف لحظة وبناء "الآلة" التي سيُضاف إليها هؤلاء الموظفون. اللحل هو الانتقال من إدارة الأفراد إلى بناء نظام تشغيل مؤسسي (Business Operating System)، وهو الإطار الذي يُنسّق ويُوجّه طاقة الأفراد نحو هدف مشترك.

وفقاً لأحدث أبحاث McKinsey، فإن نموذج التشغيل الفعّال هو ما يحوّل الإمكانيات الاستراتيجية إلى نتائج تتفوق على السوق، وأن الشركات ذات نماذج التشغيل القوية تمتلك فجوة أداء أقل بكثير بين استراتيجيتها وما تحققه فعلياً.

يتكون نظام التشغيل المؤسسي من إجابات واضحة على أربعة أسئلة جوهرية:

المكوّنالسؤال الجوهريغيابه يُشير على
الوضوح الاستراتيجيإلى أين نحن ذاهبون بالضبط، وما المقدار الذي نريده؟الجميع يعمل بجد، لكن لا أحد يعرف الأولويات
التصميم الهيكليمن المسؤول عن ماذا، والقرارات والمسؤوليات المعلقة؟تضارب الأدوار وغياب المساءلة
ملاءمة الأنظمةكيف نُمرّر المعلومات، نتخذ القرارات، ونُكافئ الأداء؟كل موظف جديد يحتاج إلى توجيه مستمر من القائد
تمكين المواهبهل لدينا الأشخاص المناسبين في الأدوار المناسبة؟رحيل الكفاءات وبقاء الأقل كفاءة

المكوّن الأول: الوضوح الاستراتيجي

يُعدّ الوضوح الاستراتيجي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء آخر؛ لا يكفي أن يعرف القائد وحده إلى أين تتجه الشركة. يجب أن يكون هذا الاتجاه واضحاً لكل موظف في كل مستوى. هذا يتفق مع ما يؤكده باتريك لينسيوني في كتابه The Five Dysfunctions of a Team من أن غياب الوضوح في الأهداف هو أحد أكبر أسباب فشل الفرق. عندما يعرف الجميع الأولويات، يمكنهم اتخاذ القرارات بشكل مستقل ضمن إطار متفق عليه، مما يُقلل من الحاجة إلى تصعيد كل قرار إلى القمة.

المكوّن الثاني: التصميم الهيكلي

الهيكل التنظيمي ليس مجرد مخطط على الورق، بل هو الآلية التي تحدد كيف تتدفق المعلومات والقرارات والمسؤوليات. يُشير يف موريو وبيتر تولمان في كتابهما Six Simple Rules إلى أن كثيراً من الشركات تستجيب للتعقيد بإضافة المزيد من التعقيد، كإضافة طبقات إدارية جديدة أو لجان تنسيق، بدلاً من تصميم هيكل يُمكّن الأفراد من التعاون بشكل مباشر. الهيكل الجيد هو الذي يُوضّح بشكل لا لبس فيه "من يملك ماذا".

المكوّن الثالث: ملاءمة الأنظمة

الأنظمة هي الشرايين التي يتدفق فيها دم المنظمة. تشمل: إيقاع الاجتماعات، آليات اتخاذ القرار، مؤشرات الأداء، وأنظمة المكافأة. الشركات التي تفتقر إلى هذه الأنظمة تجد نفسها في حلقة مفرغة: كل موظف جديد يحتاج إلى توجيه مستمر من القائد، مما يزيد من عبء القيادة ويجعل القائد عنق الزجاجة الدائم.

المكوّن الرابع: تمكين المواهب

يقول جيم كولينز في كتابه Good to Great بعد دراسة استمرت خمس سنوات على 28 شركة:

"يجب على القادة أولاً وضع الأشخاص المناسبين في الحافلة، والأشخاص غير المناسبين خارجها، والأشخاص المناسبين في المقاعد المناسبة، ثم يقررون إلى أين يتجهون."

المبدأ هذا يعكس فهماً عميقاً: التوظيف الصحيح ليس مجرد ملء شاغر، بل هو قرار استراتيجي يحدد مسار الشركة. والأهم من ذلك أن كولينز وجد أن الشركات العظيمة لا تبدأ بالاستراتيجية ثم تبحث عن الناس، بل تبدأ بالناس المناسبين ثم تُطوّر معهم الاستراتيجية.


رابعاً: الدليل العملي — أطر عمل مجرّبة لبناء نظام التشغيل

لحسن الحظ، لست مضطراً لاختراع العجلة. هناك أطر عمل مجرّبة ومختبرة يمكن أن تساعدك في بناء نظام تشغيلك الخاص بك:

نظام التشغيل الريادي (EOS®): الموضح في كتاب Traction بقلم جينو ويكمان، يركز EOS على ستة مكونات رئيسية: الرؤية، الأشخاص، البيانات، المشكلات، العمليات، والجاذبية (Traction). يوفر مجموعة من الأدوات البسيطة والعملية لمساعدة الفرق القيادية على تحقيق الوضوح والمواءمة والمساءلة. ما يُميّز هذا الإطار هو تركيزه على "الجاذبية" (Traction)، أي ترجمة الرؤية إلى نتائج ملموسة من خلال أهداف ربعية واضحة.

Scaling Up: الموضح في كتاب فيرن هارنيش الذي يحمل الاسم نفسه، يركز هذا الإطار على أربعة قرارات رئيسية يجب على كل شركة إتقانها: الأفراد، الاستراتيجية، التنفيذ، والنقد. يوفر أدوات مثل "الخطة الاستراتيجية من صفحة واحدة" لضمان توافق الجميع. يتميز هذا الإطار بتركيزه على "عادات روكفلر"، وهي ممارسات يومية وأسبوعية وشهرية تُبقي الفريق متوافقاً ومُركّزاً.

بغض النظر عن الإطار الذي تختاره، فإن المبدأ الأساسي واحد: بناء عمل يعتمد على الأنظمة، لا على الأفراد. كما يقول ميكائيل جيربر في كتابه The E-Myth Revisited:

"النظام يُدير العمل. الناس يُديرون النظام."

هذه الجملة البسيطة تُلخّص جوهر التحول المطلوب: من شركة تعتمد على عبقرية الأفراد وجهودهم الفردية، إلى منظمة تعتمد على أنظمة موثوقة وقابلة للتكرار والتطوير.


خامساً: الخاتمة — من إضافة الأجزاء إلى بناء الآلة

إن محاولة حل مشاكل النمو بمجرد توظيف المزيد من الأشخاص هي وصفة للفوضى والإحباط والانهيار في نهاية المطاف. النمو الحقيقي والمستدام لا يأتي من زيادة عدد الموظفين، بل من بناء نظام يمكنه استيعاب هذا النمو وتوجيهه بفاعلية.

الشركات التي تفهم هذا الفرق تبني منظمات يمكنها النمو بشكل مستدام. أما الشركات التي تستمر في التوظيف دون بناء الأنظمة، فإنها تجد نفسها في حلقة مفرغة من التوظيف والفوضى والاستقالات، تُكرّر نفسها مع كل موجة نمو جديدة.

قبل أن توقّع عقد الموظف التالي، اسأل نفسك هذا السؤال:

هل أنا أُضيف هذا الشخص إلى "نظام" مُصمَّم للنمو، أم أنني أُضيفه إلى "فوضى" على أمل أن يُصلحها؟

الإجابة على هذا السؤال هي ما يُفرّق بين الشركات التي تنمو بشكل فوضوي ثم تنهار، والشركات التي تبني أساساً متيناً لنمو مستدام لسنوات قادمة.

حان الوقت للتوقف عن إضافة الأجزاء، والبدء في بناء الآلة.


بقلم: أ. فراج بن علي الفراج — الفراج للاستشارات


المراجع:

  1. Brooks, F. P. (1995). The Mythical Man-Month: Essays on Software Engineering (Anniversary ed.). Addison-Wesley Professional.
  2. Dunbar, R. I. M. (1992). Neocortex size as a constraint on group size in primates. Journal of Human Evolution, 22(6), 469–493.
  3. Gerber, M. E. (2001). The E-Myth Revisited: Why Most Small Businesses Don't Work and What to Do About It. HarperCollins.
  4. Lencioni, P. (2002). The Five Dysfunctions of a Team: A Leadership Fable. Jossey-Bass.
  5. Bersin, J. (2024). Why Do Companies Hire Too Many People? Josh Bersin.
  6. McKinsey & Company. (2025). A new operating model for a new world.
  7. Morieux, Y., & Tollman, P. (2014). Six Simple Rules: How to Manage Complexity Without Getting Complicated. Harvard Business Review Press.
  8. Wickman, G. (2012). Traction: Get a Grip on Your Business. BenBella Books.
  9. Harnish, V. (2014). Scaling Up: How a Few Companies Make It...and Why the Rest Don't. Gazelles Inc.
  10. Collins, J. (2001). Good to Great: Why Some Companies Make the Leap... and Others Don't. HarperBusiness.
  11. Startup Genome. (2011). Startup Genome Report Extra on Premature Scaling.
ف

عبدالله العضيبي

الفراج للاستشارات